حفلة ميلونغا

أحاول جاهدةً ألّا أسخر مما يجري حولي. ألّا أغضب أيضاً. أن أكون قادرة على تحليل ما يحدث تحليلاً منطقيّاً، فأضبط نبرة صوتي وأنظر في عينيّ محدثي منصتةً إلى ما يقوله بتركيز تام.أليس هذا هو الحنان؟ أظن كذلك، لكن في رأسي الآن تدور كلمات مثل: لا أعلم، لماذا أنا لا أصدقك، أنت كاذب، هذا هراء. لكنني سأبتسم وسأهز برأسي، أجل أنا مستمتعة بوقتي. أتمنى أن تكون أنت كذلك.

أمشّط شعري بيديّ، أحاول لمس الأشياء على الطاولة أمامي. أتذكر بواجب كتابة اسمي وعنواني للمقهى، أشرب الشاي، أعي أنّي شاردة الذهن بعض الشيء، أتوقف عن شرودي. أنت ما زلت تتحدث، سأهز برأسي مرّتين. نسيت أن أرسل رسالة لوالديّ. سحقاً!

يتكرر الأشخاص، يتكرر من يبدون اهتماماً بي، ومن أبدي اهتماماً بهم. تتكرر ردّات الفعل، إلّا أن لامبالاتي تزداد أكثر.

هنالك لعبة جديدة أودّ لعبها، أن أقف خلف لوح زجاجي، وحولي كثير من الأشياء، فإذا حدثت تلك الصدفة، ومررت من جانبي، وكنت تجرؤ، بإمكانك أن تسألني لأسرد لك قليلاً منّي. بعض من القصص حولي سأحملها وأعطيها لك. بعض آخر سأحاول تخبئتها خلف ظهري. أنت لست غبيّاً على ما أظن ولست خائفاً مثلي، بإمكانك أن تشعر أنّي أخبئ شيئاً ما.

إنّه دوري الآن أن أتحدث؟ حسناً، من أين أبدأ؟

القصة الأولى

أرى ذكرياتي كفيلم قصير في مخيلتي، أعيده مرارا، وفي كلّ مرة، أكتشف تفاصيلاً جميلةً مخزّنةً في داخلي. أودّ لو أستطيع العودة لأعانق من كانوا حولي فترة أطول. أحاول تجزئة كلّ شيء، أضحك من مواقف غبيّة كنت قد فعلتها عن لاوعي، أضحك من نفسي، وأجد أن الجميع يتذكرون هذه المواقف ويضحكون معي.

 أتذكّر أشخاصاً أحبّتني ولم أستطع حبّها، كان لديّ الحق في ذلك .أشخاص أخرى أحببتها حبّا جمّاً، وأرى الآن أنها مشاعر مختلقة.

هل كنت أحاول أن أخدع نفسي أم أن أخدعهم؟ جيّد, أنّهم لم يصدقونني بما فيه الكفاية.

 أتذكر أسماء أخرى، وأرى أنّني أحببتها، وأنّ كان عليّ أن أحبّها أكثر.

أعود وأنبش أكثر، أتذكر أشخاصاً، وأعرف أنهم كانوا كالسّم، أودّ لو أستطعت اقتلاعهم.

لكلّ شخص فيّ قطعته.

أفتح قائمة الكتب التي قرأتها، وأرى كثيراً من الكتب الرديئة. أقوم برميها خارجاً.

القصة الثانية

يحاول بعض الأصدقاء القدامى سرد أحداث فعلناها سويّة، لا أستطيع استرجاعها. أستغرب من لطافتهم المفرطة نحوي. هل كنّا مقرّبين إلى هذا الحد؟ لا أذكر التفاصيل، إلّا أنني لم أقصد أن أكون بكلّ هذا اللطف يومها، أما الآن فأنا سعيدة لأنّي كنته.

أشعر بالشكر لكلّ من لم يحنق، ولم تكن ردّات فعله عنيفة تجاهي رغم أفعالي الطفوليّة، لكلّ من لم يخرجني من حياته وتفاصيله دون مسوّغات واضحة، فأنا لم أقصد أن أؤذي أحداً. كان فضولي فقط هو من يقتلني، وخوفي من شيء ما، أجهله. لكلّ الأشياء والأشخاص التي احتوتني، لأني بداخلي أنا الآن أحتويها. للأشخاص التي لم تنثر غضبها في وجهي، بل ضحكت حينما اقترفت شيئاً غبيّاً. وحتى من الأشخاص التي غضبت منّي، إلّا أنّها عادت إليّ، كأنّها شيء منّي ولي.

القصة الثالثة

في غيابي، قام والديّ بتبديل منزلنا، حينما أقوم بزيارتهم كلّ عام، أشعر أنّي لست في منزلي، بل مجرد ضيفة. ترى، لو أنّي عدّت إلى منزلنا القديم، هل سأذكر التفاصيل؟

تقول لي والدتي: هل تذكرين كيف قدّمت البكالوريا، حينما كان أستاذ الفيزياء في منزلنا وقال أنّ مائة وعشرة قذيفة سقطت في ساعة واحدة. -كيف تستطيع ابنتك الدراسة هنا؟

أجد صعوبة بتذكّر صوت القذائف.

تضحك والدتي منّي مرة أخرى وتقول: هل تذكرين حينما بقيت في المنزل وحدك وقام عدد من المسلّحين بإطلاق النار في الحي، يومها زحفتِ على الأرض في الرواق حتى وصلت إلى باب المنزل، ثم رننتِ الجرس على جارتنا، فقامت بإدخالك وتقديم الشاي لك. أسخر من أمي أنّي لم أقم بذلك! أنا لم أزحف على الأرض يوماً خوفاً!

القصة الرابعة

أقرأ الكثير من الأخبار الشنيعة على الفيسبوك، اغتصاب، حرائق، جرائم قتل، مرض، تشهير.. أشعر بالكره تجاه هذه البقعة من الأرض، ثم أعود لأحزن فقط. أتمنى من كلّ قلبي ألّا يجبر أحد على عيش هذه التفاصيل الأليمة. أمّا الذين يعايشونها، أتمنى أن يكونوا أقوياء لمواجهتها، وألّا يحملوا في قلوبهم وهم يودّعون هذه التجارب البشعة، إلّا الحب.

القصة الخامسة

في بيتنا، لم يكن فعل ذهابي إلى المقهى أو المسبح أو إلى الرقص هو لأجل المتعة أو لإيجاد الصحبة، كما يفعل الجميع ،بل فعل تمرّد. أصبحت الأشياء هنا تتبسط مع الوقت. أذهب هناك لاستمتع بوقتي فقط. أهذه هي الطفولة أم النضج؟ أودّ لو أنقذُ نفسي.

القصة السادسة

استنتجت منذ وقت أن حاسة سمعي ضعيفةٌ جدا. أقصد أنّي أستطيع أن أسمع لكنّي لا أعي ما يقال. ويزداد الأمر سوءا كلما زاد عدد الأشخاص حولي. فأنا ملتزمة بالصمت تماماً ثم يخرج عني تعليق يكون في غالب الوقت ليس ذو معن.أعي الآن ذلك وأشعر أن دماء تسيل من أذنيّ.

القصة السابعة

منذ شهر، مات صديقي، كضربة على الذاكرة، شعرت بأسى كلّ الأشخاص الذين أعرفهم، وحزنت، هذه هي المرة الأولى التي أشعر فيها حقا بانتمائي إلى مجموعة ما. أن أشعر بحزنهم. كم لديّ من الذكريات الجميلة معهم. لم أكتب منذ وقت طويل، وكلّ تلك التفاصيل التي فقدتها لفترة طويلة، انهمرت عليّ، حفلات الرقص، السهر، أصواتُ الضحكِ، رغبتهم كلّهم في السعادة وسط كلّ العنف، ورغبتي في قول لا.

أشتاق تلك الثرثرة والنكت اللطيفة، أنظر الآن في أعين أشخاص وأرى أنهم لا يرون كم أنا أحبّهم. أضحك وأتذكر نفسي مثقلة بأحمال كثيرة، أتمنى أن يستطيعوا يوماً تذكّر كم أنا أحبّهم بطفولتهم.

القصة الثامنة

وقع تفجير بيروت، قبل تسليم مشروع تخرجي من الجامعة بيوم. أهلي بخير، أصدقائي بخير، أنا لست بخير، أنا آسفة أني لم أكن معكم لأعانقكم.

أجد جميع التعليقات الغاضبة والشتائم. نحن بلاد تحب العنف كثيراً. الجميع يريد قتل السياسيين. حقاً؟ القتل؟ مزيد من العنف؟ كم نحن همجيّون!

إني فخورة بالإنجازات الصغيرة التي فعلتها، إلّا أنني أتطلع اليوم إليها على أنّها شيء من أشياء كثيرة، كنت قد أهملتها لوقت طويل.

أتذكر كثيرا من الأشخاص الذين أحزنوني، أعرف أنّهم فعلوا ذلك عن غير قصد. أوّد أخبارهم إنّي لست مستاءة منهم، بل أنا أحبّهم، وأشعر بالأسى أنهم لم يستطيعوا التغلّب على حزنهم، أو أنّهم سمحوا للحزن أن يؤثر بهم إلى هذا الحد.

كثير من الأيام مضت عليّ كأمر مفروغ منه، أتمنى أن يكون الجميع شجعاء ليحاربوا خوفهم والكره الموجّه ضدهم.

القصة التاسعة

كنت اليوم في حفلة ميلونغا، في الساعات الأخيرة لم أكن راغبة بالرقص، ولم يكن شريكي يريد الرقص معي، لكنني قررت البقاء. كل من حولي كانوا يتراقصون سوية ثم يأتون إلى الطاولة نحوي، يسردون قليلا من الأحاديث معي ويذهبون. والكثير كان يسأل لماذا أنت باقية إن كنت لا تودّين الرقص. بعضهم حتى حاول أن يجد لنفسه جوابا يقنعه. كلّ شيء لا يهم، لن أسمح للحزن مرّة أخرى أن يسيطر علي. إنه هناك، أنا أعلم ذلك جيّداً، لكنني لا أخافه.
هؤلاء الذين يرقصون، يتناغمون، ينتقدون بعضهم البعض، لو يعلموا أنّه منذ شهر تقريبا، قُتل صديقي في دمشق، وهو بدوره أيضاً كان يحبّ رقصة التانغو.

القصة العاشرة

عندما التقيت بك، جائني شعور وكأنّي أسلّم على الذاكرة, على وجعي منها. كلّ السجون والكلمات، الحرب، الجامعة، كل هذا الذي هربت منه، أراه الآن أمامي، بخير، يضحك، يمازح، يرقص التانغو، ويمارس مهنتي المفضلة، الكتابة.

 لم أعلم إن كنت أريد أن أعانقه، أن أقول له، أننا بخير. أم أتركه، كما تركت وطني، وكما تركت أهلي، جامعتي، أصدقائي، وكما هي عادتي في ترك كلّ شيء.

 كجرحٍ قديمٍ كنت أشعر بك في ذاكرتي.

القصة الحادية عشرة

أشعر بشيء ثقيل يجلس على صدري. أنا في وعي تام ولكنني لا أستطيع الحركة. لا اريد فتح عيني فالخوف يملئني. كجنّي على صدري، وأنا لست مؤمنة، لكنني أعرف بضع الآيات من القران، أرددها في داخلي وكأني أحاول أن أطرد الشيطان. هنالك شخص ما في الغرفة يجثو على صدري، يتسلق نحوي وكأنه يريد استحواذي. تستمر هذه المشاعر لمدة ثواني لا استطيع عدّها، لكنني أعرف أنها ستمضي، فهذه ليست المرة الأولى. أشعر بالرغبة بالبكاء. أعود بالإحساس بأطرافي مجددا. أستطيع تحريك يدي. أجل لقد ذهب. أغيّر وضعيتي وأعود للنوم. لقد رحل لا داع للخوف.

القصة الثانية عشرة

لا أريد خداع نفسي، إنها ليست الحرب، ليسوا أهلي، ولا أصدقائي، ولا أساتذتي، إنهم كلّهم سوية، وأنا مقابلهم أمارس ردّات فعل مختلفة. كم ممتعٌ ما يستطيع الإنسان الآخر أن يفعل بك.

القصة الثالثة عشرة

لديّ حياتين مختلفتين، واحدة أعيشها، وواحدة في عقلي. في طفولتي، كانت أمّي تخاف، فتحاول التلصص على دفاتري ومسودّاتي لتعرف أكثر.

 الأدب هو فضيحتي حقّا. أخشى ممن يعرفوني أن يجدوا أنفسهم بين الكلمات.

14.09.2020

فرح النيحاوي

Leave a Reply